بين حماية الرأي وقمع التعبير.. التضليل الإعلامي تحدي عالمي على طاولة مجلس حقوق الإنسان
بين حماية الرأي وقمع التعبير.. التضليل الإعلامي تحدي عالمي على طاولة مجلس حقوق الإنسان
في لحظة دولية مشحونة بالتوترات والحروب والاستقطاب السياسي، يناقش مجلس حقوق الإنسان في دورته الحادية والستين تقريرًا صادرًا عن مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان، يلخص أعمال حلقة خبراء خُصصت لبحث ظاهرة التضليل الإعلامي وسبل مواجهتها في إطار يحترم القانون الدولي لحقوق الإنسان.
التقرير، الواقع في 14 صفحة، يستعرض نقاشا عُقد افتراضيًا في يونيو 2025 بسبب قيود مالية، وخلص إلى توصيات تؤكد أن المعركة ضد التضليل لا يجوز أن تتحول إلى ذريعة لتقويض حرية التعبير.
ويرصد التقرير تصاعد حجم وتأثير المعلومات المضللة في البيئة الرقمية، مدفوعًا بتطورات الذكاء الاصطناعي وانتشار المنصات العابرة للحدود، واستخدام هذه الأدوات أحيانا من قبل جهات رسمية أو فاعلين من غير الدول.
ويحذر من أن التضليل لم يعد مجرد إشكال مهني أو أخلاقي، بل بات تهديدا مباشرا لحقوق الإنسان، ولثقة الجمهور في المؤسسات، ولسلامة العمليات الانتخابية، وللسلم والأمن الدوليين.
الغزو الروسي لأوكرانيا
وخلال النقاش، عرض ممثل أوكرانيا تجربة بلاده منذ الغزو الروسي عام 2022، مؤكدا أن حملات التضليل رافقت العمليات العسكرية، وسعت إلى تشويه الحقائق، وتبرير العدوان، وإنكار الانتهاكات، وإخفاء معاناة المدنيين.
وأشار إلى أن بلاده واجهت ذلك عبر تعزيز الثقافة الإعلامية، ودعم الصحافة المستقلة، وتحسين الشفافية الحكومية، والتعاون مع المجتمع المدني والشركاء الدوليين، إذ كانت الرسالة الواضحة هي أن حماية المجال المعلوماتي جزء لا يتجزأ من حماية الحقوق.
حرية التعبير تحت الضغط
من جانبها، شددت إيرين خان، المقررة الخاصة المعنية بحرية الرأي والتعبير، على أن حملات التضليل المنسقة تستهدف في كثير من الأحيان النساء والمهاجرين والأقليات والمدافعين عن حقوق الإنسان، بقصد إسكات الأصوات الناقدة وتضييق المجال العام، وفي سياقات النزاعات والانتخابات، يتحول التضليل إلى أداة للتحريض وإثارة الخوف وتقويض الثقة.
لكن خان حذرت في الوقت ذاته من أن مكافحة التضليل لا ينبغي أن تتحول إلى رقابة على الآراء، داعية إلى تنظيم ذكي ومتناسب لمنصات التواصل، متوافق مع الالتزامات الدولية، وإلى دعم الإعلام المستقل ومعالجة "التصحر الإعلامي"، حيث تضعف المؤسسات الصحفية أمام سطوة المنصات الرقمية.
ما بعد الحرب العالمية
وأحد أبرز مداخلات الحلقة استعاد نقاشات أعقبت الحرب العالمية الثانية، حين طرحت مسألة الدعاية والمعلومات الزائفة في مواجهة حرية التعبير، فقد أسهم مؤتمر الأمم المتحدة لحرية الإعلام عام 1948 في بلورة معايير انعكست لاحقا في المادة 19 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان والعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية.
وآنذاك، رُفضت مقترحات تقييد "المعلومات الزائفة" بحد ذاتها، خشية أن تتحول إلى أداة لقمع التعبير المشروع، إذ يرى بعض الخبراء أن اللحظة الراهنة، بما تحمله من استقطاب عالمي، تستدعي استحضار ذلك الدرس التاريخي.
الذكاء الاصطناعي والانتخابات
وتناول النقاش أيضًا الانتخابات الرئاسية الأميركية لعام 2024، حيث انتشرت مقاطع مُولدة بالذكاء الاصطناعي توحي بسلوكيات تصويت غير قانونية.
وأشار ممثل شركة "ميتا" إلى التمييز بين المعلومات المغلوطة التي تنشر دون قصد الإضرار، والمعلومات المضللة التي تبث عمدا، مؤكدا اعتماد الشركة على شركاء لتدقيق الحقائق، مع الإقرار بتحديات سرعة الاستجابة وخطورة الاعتماد المفرط على توصيفات حكومية للمحتوى.
في السياق الأوروبي، طرح نقاش حول قانون الخدمات الرقمية، مع تحذيرات من أن المفاهيم الفضفاضة قد تدفع المنصات إلى حذف محتوى مشروع، بما في ذلك السخرية أو النقد السياسي، بدافع تجنب المخاطر التنظيمية.
نحو مقاربة حقوقية متوازنة
وخلصت الحلقة إلى أن الاستجابة الفعالة للتضليل تتطلب التزاما صارما بالمعايير الدولية، كما دعت إلى إشراك أصحاب المصلحة كافة؛ الدول والشركات والمجتمع المدني والأكاديميين، في تصميم السياسات، وتوسيع برامج التربية الإعلامية والرقمية، وتعزيز الشفافية الخوارزمية.
وأكدت أن أقوى سلاح ضد التضليل ليس القمع، بل حماية حرية التعبير ذاتها، وتحصين المجتمعات بالمعرفة والمساءلة، ففي عالم تتنازع فيه الروايات يبقى الحقُ في الوصول إلى معلومات موثوقة وفي التعبير الحر حجرَ الزاوية لأي نظام ديمقراطي يسعى إلى الصمود أمام عواصف التضليل.











